الصراع الاستراتيجي بين المغرب وإسرائيل على ممرات التجارة العالمية
إن ما نشهده ليس صراعاً مباشراً بالمعنى التقليدي، بل هو تنافس استراتيجي حاد بين مشروعين جيوسياسيين يهدف كل منهما إلى إعادة رسم خريطة التجارة العالمية ووضع بلديهما في قلبها.
1. المشروع المغربي: "مبادرة الأطلسي" وبوابة الساحل والصحراء
تتمحور الرؤية المغربية حول تحويل واجهته الأطلسية إلى محور تجاري عالمي يربط إفريقيا بأوروبا والأمريكتين. وتقوم هذه الاستراتيجية على عدة ركائز:
- ميناء الداخلة الأطلسي: هو حجر الزاوية في المشروع. يهدف المغرب إلى جعله ميناءً محورياً ضخماً قادراً على استقبال أكبر سفن الحاويات في العالم، ليكون البوابة البحرية لدول الساحل (مالي، النيجر، بوركينا فاسو، تشاد) التي لا تملك منافذ على البحر.
- المبادرة الملكية لدول الساحل: أطلق الملك محمد السادس مبادرة تهدف إلى منح دول الساحل وصولاً كاملاً إلى البنية التحتية المغربية (موانئ، مطارات، طرق) لفك عزلتها وربطها بالتجارة العالمية.
- خط أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب: مشروع ضخم يهدف إلى نقل الغاز النيجيري عبر دول غرب إفريقيا وصولاً إلى المغرب ومنه إلى أوروبا. هذا المشروع لا يقتصر على الطاقة، بل سيخلق معه بنية تحتية وممرات تنموية على طول مساره.
- الهدف الاستراتيجي: خلق ممر اقتصادي متكامل يمتد من جنوب الصحراء إلى المحيط الأطلسي، تكون فيه المملكة المغربية هي نقطة الربط والعبور الأساسية، مما يقلل من الأهمية النسبية للممرات التقليدية الأخرى بالنسبة لقارة إفريقيا.
2. المشروع الإسرائيلي: "ممر غزة" والممر الاقتصادي (IMEC)
تراهن إسرائيل على مشروع منافس يهدف إلى ربط آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط.
- الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC): تم الإعلان عنه في قمة مجموعة العشرين G20. يهدف هذا الممر إلى ربط الهند بأوروبا عبر ممرات بحرية وبرية تمر بالإمارات، السعودية، الأردن، ثم إسرائيل، ومن ميناء حيفا إلى الموانئ الأوروبية.
- "ممر غزة" أو بدائله: قبل أحداث أكتوبر 2023، كانت هناك أفكار اقتصادية تدور حول ربط غزة بمشاريع لوجستية، لكن الحرب الحالية غيرت المشهد بالكامل. الآن، ينظر إلى ممر IMEC على أنه البديل الاستراتيجي الذي يعتمد على إسرائيل كنقطة عبور نهائية في الشرق الأوسط قبل أوروبا.
- الهدف الاستراتيجي: تقديم بديل أسرع وأرخص (نظرياً) لقناة السويس، وتعزيز دور إسرائيل كجسر بري لا يمكن الاستغناء عنه بين الشرق والغرب، وترسيخ اندماجها الاقتصادي في المنطقة بعد اتفاقيات أبراهام.
خلاصة التنافس:
- المغرب: يركز على ربط إفريقيا (خاصة الغرب والساحل) بالعالم عبر المحيط الأطلسي.
- إسرائيل: تركز على ربط آسيا (الهند) بأوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط.
- كلا المشروعين يتنافسان على الاستثمارات الدولية، والدعم السياسي، وفي نهاية المطاف، على حجم البضائع التي ستمر عبرهما.
خفايا زيارات الملك محمد السادس وتحليلها الاستراتيجي
زيارات الملك الأخيرة للإمارات ومصر، ولقاؤه بالرئيس الفرنسي، لا يمكن فصلها عن هذا السياق الجيوسياسي المتغير. إنها ليست زيارات بروتوكولية عادية، بل هي تحركات دبلوماسية دقيقة تهدف إلى حشد الدعم للمشروع المغربي وإدارة التحديات.
1. الزيارة إلى الإمارات العربية المتحدة:
- حشد الاستثمار: الإمارات شريك استراتيجي رئيسي للمغرب وأحد أكبر المستثمرين فيه. الهدف الأول كان تأمين استثمارات إماراتية ضخمة في مشروع ميناء الداخلة والبنية التحتية المرتبطة به. الإعلان عن شراكة استراتيجية مبتكرة ومتجددة خلال الزيارة يؤكد هذا الهدف.
- تنسيق المواقف: الإمارات طرف رئيسي في ممر IMEC الإسرائيلي وفي نفس الوقت حليف وثيق للمغرب. الزيارة كانت ضرورية لتنسيق الرؤى، والتأكد من أن دعم الإمارات لممر IMEC لا يأتي على حساب دعمها للمبادرة الأطلسية المغربية، وربما استكشاف سبل التكامل بين المشروعين بدلاً من التنافس.
- ما بعد حرب غزة: الحرب جمدت فعلياً مشروع IMEC. هذه فرصة للمغرب لتسريع مشروعه وتقديمه كبديل أكثر استقراراً وأماناً. الزيارة ناقشت بلا شك تداعيات الحرب وكيفية الاستفادة من الوضع الجديد.
2. الزيارة إلى مصر:
هذه الزيارة تحمل دلالات عميقة وتأتي للإجابة على السؤال التالي مباشرة.
هل عودة محمد السادس لمصر تدخل ضمن محاور الصراع؟
نعم، وبشكل محوري. ولكن ليس بمعنى الصدام، بل بمعنى "إدارة التنافس" و"التحييد الدبلوماسي".
- قناة السويس في خطر؟: المشروعان، المغربي (الأطلسي) والإسرائيلي (IMEC)، يُنظر إليهما على أنهما منافسان محتملان لقناة السويس التي تشكل عصب الاقتصاد المصري.
- رسالة طمأنة: زيارة الملك لمصر كانت بمثابة رسالة طمأنة استباقية للقاهرة. مفادها أن المبادرة المغربية الأطلسية لا تستهدف سحب البساط من قناة السويس بشكل مباشر، بل تركز على خلق سوق جديدة (ربط إفريقيا بالأمريكتين) وتنمية دول الساحل، وهي أسواق لا تخدمها قناة السويس بنفس القدر.
- تجنب الاستقطاب: يدرك المغرب أن أي مشروع كبير في المنطقة قد يخلق محاور متنافسة. الزيارة تهدف إلى تجنب وضع مصر في موقع المعارض للمشروع المغربي، والحفاظ على علاقات عربية قوية في ظل التحديات الإقليمية. إنها خطوة دبلوماسية ذكية لمنع تحول التنافس الاقتصادي إلى خلاف سياسي.
هل تبنت أمريكا فكرة المغرب بجعل المحيط الأطلسي محور التجارة؟
نعم، بشكل كبير. يمكن القول إن الولايات المتحدة "تبنت" الفكرة فحسب، بل هي الشريك الاستراتيجي الذي جعل هذه الفكرة ممكنة وداعمة لها بقوة.
- الاعتراف بالسيادة على الصحراء: الخطوة الأمريكية بالاعتراف بسيادة المغرب الكاملة على صحرائه كانت المفتاح الذي فتح الباب أمام الاستثمارات الدولية الضخمة في المنطقة، وجعل من مشروع ميناء الداخلة حقيقة واقعة. بدون هذا الاعتراف، كان المشروع سيبقى محفوفاً بالمخاطر السياسية.
- توافق المصالح الأمريكية-المغربية: الرؤية المغربية تتوافق تماماً مع أهداف السياسة الخارجية الأمريكية الحالية:
- مواجهة النفوذ الصيني والروسي: تسعى أمريكا إلى إيجاد بدائل لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية، ومشروع المغرب يقدم بديلاً لتنمية إفريقيا يرسخ النفوذ الغربي. كما أن تأمين ممر أطلسي يقلل الاعتماد على الممرات التي قد تسيطر عليها الصين.
- استقرار منطقة الساحل: تعتبر الولايات المتحدة أن التنمية الاقتصادية هي الحل لمواجهة الإرهاب وعدم الاستقرار في منطقة الساحل. مبادرة المغرب لفك العزلة عن هذه الدول تخدم هذا الهدف الأمريكي مباشرة.
- تنويع ممرات التجارة: تدرك واشنطن خطورة الاعتماد على نقاط اختناق بحرية واحدة مثل قناة السويس أو مضيق هرمز. دعم ممر أطلسي جديد في إفريقيا يخدم استراتيجيتها لتأمين سلاسل الإمداد العالمية.
- دعم حليف موثوق: المغرب هو أقدم حليف للولايات المتحدة في المنطقة، ويعتبر شريكاً مستقراً وموثوقاً. دعم اقتصاده ومشاريعه الكبرى هو استثمار في استقرار المنطقة بأكملها.
باختصار، الرؤية المغربية لم تعد مجرد حلم محلي، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية أمريكية أوسع لإعادة تشكيل الخرائط الاقتصادية والسياسية في إفريقيا والشرق الأوسط.
