الرحمن على العرش استوى: بحث في عقيدة السلف وجواب الإمام مالك
مقدمة
تعد مسألة الأسماء والصفات من أجلّ المباحث في العقيدة الإسلامية، ومن بين هذه الصفات صفة "الاستواء" التي تكررت في القرآن الكريم في سبعة مواضع. ولعل أشهر ما ورد في ضبط فهم هذه الصفة هو الأثر العظيم عن إمام دار الهجرة، الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه.
في هذا المقال، سنستعرض البحث الدقيق حول قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى"، وموقف النبي صلى الله عليه وسلم، وتفصيل جواب الإمام مالك الذي وضع قاعدة ذهبية في هذا الباب.
أولاً: صفة الاستواء في القرآن الكريم
قبل الخوض في الجدال الكلامي، يجب أن نؤسس البحث على ما جاء في كتاب الله. لقد وردت صفة الاستواء في سبعة آيات، مما يدل على أهميتها ورسوخها في العقيدة:
- سورة طه (الآية 5): .
- سورة الأعراف (الآية 54): .
- سورة يونس (الآية 3): .
- سورة الرعد (الآية 2): .
- سورة الفرقان (الآية 59):.
- سورة السجدة (الآية 4): .
- سورة الحديد (الآية 4): .
الحجة هنا: تكرار الآية بلفظ صريح يقطع الطريق أمام نفي الصفة، ويثبت أن لله استواءً يليق بجلاله وعظمته.
ثانياً: موقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم (السنة المطهرة)
قد يسأل سائل: هل سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن كيفية الاستواء؟
الحقيقة التاريخية والشرعية تؤكد الآتي:
- عدم الخوض في الكيفية: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته الكرام أنهم سألوا عن "كيفية" استواء الله. لماذا؟ لأنهم عرب أقحاح فهموا المعنى اللغوي (العلو والارتفاع والاستقرار)، ووكلوا الكيفية إلى الله.
- التسليم والقبول: كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم هو تبليغ الوحي كما أُنزل، وقرأ هذه الآيات على مسامع الناس ولم يقل لهم إن لها معنى باطناً أو مجازياً يخالف ظاهرها، بل أقرهم على الفطرة.
- سؤال الجارية: في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية: "أين الله؟" قالت: "في السماء"، قال: "من أنا؟" قالت: "أنت رسول الله"، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". وهذا إقرار منه بعلو الله سبحانه وتعالى، والاستواء هو أخص معاني العلو.
ثالثاً: القصة الشهيرة وجواب الإمام مالك الفاصل
تعتبر هذه الحادثة هي العمدة في باب الأسماء والصفات عند أهل السنة والجماعة.
سياق القصة:
دخل رجل على الإمام مالك بن أنس في المسجد النبوي، فقال: "يا أبا عبد الله، ، كيف استوى؟".
رد فعل الإمام:
لم يجب الإمام مالك فوراً، بل أطرق برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق الشديد) من هول السؤال وعظمة المسؤول عنه سبحانه، ثم رفع رأسه وقال مقولته الخالدة التي صارت ميزاناً للعقيدة.
نص الجواب (القاعدة الذهبية):
"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
ثم أمر بالرجل فأُخرج من المسجد لئلا يثير الفتنة.
رابعاً: تحليل وتفكيك جواب الإمام مالك (حجج وبراهين)
هذا الجواب يحمل في طياته منهجاً علمياً رصيناً يتكون من أربع ركائز:
1. الاستواء معلوم (من حيث اللغة والمعنى)
- الحجة: القرآن نزل بلسان عربي مبين. وفي لغة العرب، "استوى على الشيء" تعني علا وارتفع واستقر. فلا يجوز تحريف الكلمة عن معناها الظاهر إلا بدليل، ولا دليل هنا يصرف المعنى. إذن، نحن نعرف "معنى" الاستواء.
2. الكيف مجهول (من حيث الحقيقة والكنه)
- الحجة: العقل البشري قاصر، وهو يقيس ما يراه (المخلوق) على ما يراه (مخلوق آخر). أما الله سبحانه فلا مثيل له: .
- قاعدة: "الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات". فكما أننا نؤمن بأن لله ذاتاً لا تشبه ذوات المخلوقين، ونجهل كيفية ذاته، فكذلك نثبت له صفات لا تشبه صفات المخلوقين ونجهل كيفيتها.
3. الإيمان به واجب (من حيث الشرع)
- الحجة: لأن الله أخبر به عن نفسه في سبعة مواضع، وتكذيب خبر الله أو الشك فيه كفر، فالواجب هو التصديق الجازم والقبول التام.
4. السؤال عنه بدعة (من حيث المنهج)
- الحجة: لأن الصحابة (وهم أحرص الناس على الخير وأعلمهم بالدين) لم يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن "الكيفية". فلو كان السؤال خيراً لسبقونا إليه. وسؤال هذا الرجل كان محاولة لإخضاع الغيب لمقاييس العقل المادي، وهذا ابتداع في الدين.
خاتمة: الصدق والإخلاص في العقيدة
إن البحث في صفات الله تعالى يتطلب أمرين أساسيين أشار إليهما العنوان: الصدق والإخلاص.
- الصدق: في اتباع الدليل وعدم ليّ أعناق النصوص لتوافق الأهواء أو المذاهب الفلسفية.
- الإخلاص: في تنزيه الله تعظيماً له، دون تشبيهه بخلقه (التمثيل) ودون نفي صفاته (التعطيل).
إن الموقف السليم الذي ينجي العبد يوم القيامة هو ما قاله الإمام الشافعي وغيره من الأئمة: "آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله".
فالله سبحانه استوى على عرشه استواءً يليق بجلاله، لا نعلم كيفيته، ونثبت حقيقته، منزهين ربنا عن سمات الحدوث والنقص.
