يا ليتني قدمت لحياتي

 


مقدمة

في لحظة فاصلة بين الدنيا والآخرة، حين ينكشف الغطاء وتتجلى الحقائق، يقف الإنسان أمام مصيره الأبدي. في تلك اللحظة الرهيبة، لا ينفع مال ولا بنون، ولا تُقبل معذرة ولا فدية. يقول الله تعالى في سورة الفجر: "يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي" (الفجر: 24). هذه الآية الكريمة تلخص أعظم حسرة يعيشها الإنسان حين يدرك أن الحياة الحقيقية لم تكن في الدنيا، بل في الآخرة، وأن كل ما فات من عمل صالح هو خسارة أبدية لا تُعوض.

في هذا المقال، نستكشف معاني هذه الآية العظيمة، ونتأمل في مشاهد الندم يوم القيامة من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية، ونستلهم من مواقف الصحابة رضوان الله عليهم الذين عاشوا حياتهم خوفًا من هذا اليوم، فكانوا مثالًا يُحتذى في الاستعداد للقاء الله.


الحياة الحقيقية بين الدنيا والآخرة

الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر

خلق الله تعالى الإنسان لغاية سامية، وجعل الدنيا محطة مؤقتة يُمتحن فيها العبد، أما الآخرة فهي الحياة الحقيقية الباقية. يقول الله عز وجل: "وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" (العنكبوت: 64). كلمة "الحيوان" هنا تعني الحياة الدائمة الكاملة التي لا موت فيها ولا فناء.

الدنيا بكل ما فيها من زينة ومتاع هي زائلة لا محالة، قال تعالى: "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ" (الرحمن: 26-27). هذه الحقيقة القرآنية تضع الإنسان أمام واقع لا مفر منه: أن عمره في الدنيا محدود، وأن كل لحظة تمر هي فرصة إما للفوز أو للخسران.

فهم الصحابة لحقيقة الدنيا

لقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم هذه الحقيقة إدراكًا عميقًا، فعاشوا في الدنيا كأنهم مسافرون عابرو سبيل. روى الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ". وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك".

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "لو نادى منادٍ من السماء: أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم أجمعون إلا رجلاً واحداً، لخفت أن أكون أنا هو". هذا الخوف والوجل من الصحابي الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، يدل على عمق فهمهم لخطورة الموقف يوم القيامة.


مشهد الحسرة والندم

تفسير آية "يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي"

في سياق سورة الفجر، يصف الله تعالى حال الإنسان الكافر أو المقصر حين يُعرض على النار ويرى جزاء تفريطه، فيقول متحسرًا: "يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي". يسمي الآخرة "حياتي" لأنه أدرك الآن أنها هي الحياة الحقيقية، وأن ما كان يظنه حياة في الدنيا لم يكن إلا سرابًا خادعًا.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "يتحسر على ما فرط في جنب الله، ويود لو قدم في الدنيا عملاً صالحاً يجده اليوم ينفعه". وقال السعدي: "يتمنى أن لو قدم لهذه الدار التي هي دار القرار، وأما الدنيا فليست بدار إقامة".

مشاهد الندم في القرآن الكريم

امتلأ القرآن الكريم بمشاهد الحسرة والندم يوم القيامة، منها:

1. ندم الظالمين: يقول الله تعالى: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ۝ يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا" (الفرقان: 27-28). في هذا المشهد، يعض الظالم على يديه ندمًا وحسرة على ما ضيع، متمنيًا لو اتبع طريق الحق وابتعد عن رفقاء السوء.

2. ندم الكفار: قال تعالى: "وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ" (مريم: 39). يوم الحسرة هو يوم القيامة، حيث يحسر كل مفرط على تفريطه، لكن بعد فوات الأوان.

3. تمني الرجعة: يصور القرآن لحظة رهيبة حين يتمنى الكافرون العودة إلى الدنيا: "حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ" (المؤمنون: 99-100). لكن الجواب الإلهي قاطع: "كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ".

أحاديث نبوية في الندم يوم القيامة

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، مَا لَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ". هذا الحديث يصور ندم من علم ولم يعمل بعلمه.

وفي حديث آخر رواه مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ". هذه الأسئلة الأربعة ستكون مصدر ندم عظيم لمن أضاع عمره، أو علمه، أو ماله، أو صحته في غير طاعة الله.


قيمة العمل الصالح في الدنيا

العمل الصالح زاد الآخرة

المؤمن العاقل يدرك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن العمل الصالح هو الزاد الذي يحتاجه في رحلته الأبدية. يقول الله تعالى: "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ" (البقرة: 197). التقوى هي جماع كل عمل صالح يقرب العبد من ربه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (رواه مسلم). هذا الحديث يحث المسلم على استثمار حياته في أعمال تبقى له بعد موته.

أنواع الأعمال التي تنفع في الآخرة

1. الفرائض: هي أحب الأعمال إلى الله، وأعظمها أجرًا. في الحديث القدسي: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ" (رواه البخاري).

2. النوافل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ". النوافل تجبر نقص الفرائض وترفع الدرجات.

3. الأخلاق الحسنة: قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا" (رواه الترمذي).

4. الدعوة إلى الله: قال تعالى: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا" (فصلت: 33).

حرص الصحابة على العمل الصالح

كان الصحابة رضوان الله عليهم يتسابقون في الخيرات خوفًا من الندم يوم القيامة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: "فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: "فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: "فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (رواه مسلم).

كان عثمان بن عفان رضي الله عنه ينفق الأموال الطائلة في سبيل الله، حتى جهز جيش العسرة بأكمله. وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقوم الليل حتى تتورم قدماه. وكانت عائشة رضي الله عنها تتصدق بمائة ألف درهم وهي صائمة، ثم تُمسي وليس عندها ما تفطر عليه.


المسؤولية الفردية أمام الله

كل نفس بما كسبت رهينة

من أعظم القواعد القرآنية أن كل إنسان مسؤول عن نفسه، ولن تحمل نفس وزر أخرى. يقول الله تعالى: "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ" (المدثر: 38). وقال سبحانه: "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ" (الإسراء: 15).

يوم القيامة لن ينفع الإنسان إلا عمله، قال تعالى: "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" (الشعراء: 88-89). حتى أقرب الناس من الإنسان سيتخلى عنه في ذلك اليوم، قال تعالى: "يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ۝ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ۝ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ۝ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ" (عبس: 34-37).

لا ينفع الندم بعد الموت

أكد القرآن الكريم أن الندم والتمني لن ينفع بعد الموت. قال تعالى عن الكافرين: "وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" (الأنعام: 27). لكن هذا التمني لن يُستجاب، بل سيُقال لهم: "ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ" (يونس: 52).

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى". فالدخول إلى الجنة أو النار هو نتيجة اختيار الإنسان وعمله في الدنيا.

خوف الصحابة من سوء الخاتمة

عاش الصحابة حياتهم في خوف ورجاء، يخافون سوء الخاتمة ويرجون رحمة الله. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن". وكان يبكي كثيرًا ويقول: "ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا".

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" (متفق عليه). فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين.

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمر بالآية في ورده بالليل فيسقط حتى يُعاد منها أيامًا كما يُعاد المريض. وكان يُسمع بكاؤه من وراء صفوف كثيرة في الصلاة.


البعد التربوي والتحذيري للآية

محاسبة النفس قبل الحساب

من أعظم الدروس المستفادة من آية الندم هو ضرورة محاسبة النفس في الدنيا قبل أن يحاسبنا الله يوم القيامة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم".

المحاسبة تعني أن يقف المسلم مع نفسه كل يوم، يسأل نفسه: ماذا قدمت اليوم لآخرتي؟ هل أرضيت الله أم أغضبته؟ هل استثمرت وقتي فيما ينفع أم ضيعته فيما لا يُغني؟

كان الحسن البصري رحمه الله يقول: "إن المؤمن قوّام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة".

اغتنام الفرص قبل فوات الأوان

حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التسويف والتأجيل، فقال: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ" (رواه الحاكم وصححه الألباني).

كان الصحابة يسارعون إلى الخيرات ولا يؤجلون عملًا صالحًا. روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يقول: "إنما أخشى أن يقال لي يوم القيامة: قد علمت، فماذا عملت فيما علمت؟".

التذكير بالموت والآخرة

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة ذكر الموت، فقال: "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ" يعني الموت (رواه الترمذي وصححه الألباني). ذكر الموت يجعل القلب يقظًا، والنفس محاسِبة، والعمل صالحًا.

كان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته. فقيل له: تُذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ" (رواه الترمذي).

الموعظة الربانية في الآية

آية "يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي" ليست مجرد إخبار عن حال أهل النار، بل هي موعظة بليغة للأحياء كي يستعدوا لذلك اليوم. إنها دعوة للتوبة والإنابة قبل أن يأتي يوم لا تُقبل فيه توبة، ولا يُستدرك فيه تقصير.

قال الله تعالى: "أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (المائدة: 74). باب التوبة مفتوح، والرحمة واسعة، لكن بشرط المبادرة قبل الموت أو طلوع الشمس من مغربها.


ارتباط الآية بسياق سورة الفجر

موقع الآية ضمن السورة

سورة الفجر من السور المكية التي تتحدث عن مشاهد يوم القيامة وعظمة الخالق وعدله. تبدأ السورة بالقسم الإلهي بالفجر والليالي العشر والشفع والوتر، ثم تتحدث عن قصص الأمم الهالكة كعاد وثمود وفرعون، وكيف أهلكهم الله بسبب طغيانهم وكفرهم.

ثم تنتقل السورة لتصوير طبيعة الإنسان: "فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ" (الفجر: 15-16). هنا توبيخ للإنسان الذي يقيس كرامته عند الله بالمال والنعيم المادي، متناسيًا أن الابتلاء بالخير والشر كلاهما اختبار.

مشهد الحساب والجزاء

بعد ذلك تصور السورة مشاهد يوم القيامة: "كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ۝ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ۝ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ" (الفجر: 21-23). في ذلك اليوم الرهيب، حين تُدك الأرض وتتحول الجبال إلى هباء، وتُعرض جهنم، عندها يتذكر الإنسان، لكن أنّى له الذكرى؟ لقد فات وقت التذكر والاتعاظ.

قول الندامة

بعد هذا المشهد المهيب يأتي قول الإنسان: "يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي". إنها لحظة الحسرة القصوى حين يدرك أن كل ما مضى كان سرابًا، وأن الحقيقة كانت أمامه لكنه أعرض عنها.

ثم يأتي التهديد الشديد: "فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ۝ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ" (الفجر: 25-26). أي أن عذاب الله في ذلك اليوم لن يشبهه عذاب، ووثاقه للكافرين والمجرمين لن يشبهه وثاق.

بشارة النفس المطمئنة

وفي المقابل، تختم السورة ببشارة عظيمة للمؤمنين: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي" (الفجر: 27-30). النفس المطمئنة هي التي أطاعت ربها في الدنيا، فاطمأنت إلى لقائه، ورضيت بقضائه، فاستحقت رضوانه والدخول إلى جنته.

الدروس المستفادة من السياق

سياق سورة الفجر يعلمنا أن الحياة الدنيا امتحان، وأن المال والجاه ليسا معيارًا للكرامة عند الله، وأن العبرة بالعمل الصالح والنفس المطمئنة. ويحذرنا من الغفلة والتسويف، فالموت يأتي بغتة، ويوم القيامة حق، والحساب عسير، والجزاء إما نعيم أبدي أو عذاب أليم.


خاتمة

آية "يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي" تلخص أعظم ندم يشعر به الإنسان حين يقف بين يدي الله، ويرى أن كل لحظة أضاعها في الدنيا كانت فرصة ذهبية لبناء حياته الأبدية. إنها دعوة ربانية للاستيقاظ من الغفلة، والمبادرة إلى العمل الصالح، ومحاسبة النفس قبل الحساب الأكبر.

عاش الصحابة رضوان الله عليهم حياتهم بهذا الوعي العميق، فكانوا يسارعون في الخيرات، ويبكون من خشية الله، ويحاسبون أنفسهم في كل لحظة. لم يغترّوا بالدنيا، ولم ينخدعوا بزينتها، بل جعلوها مطية للآخرة، ووسيلة لنيل رضوان الله.

اليوم، ونحن نعيش في زمن الفتن والملهيات، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تذكر هذه الحقيقة: أن الحياة الحقيقية هي الآخرة، وأن كل عمل نعمله اليوم سيكون شاهدًا لنا أو علينا يوم القيامة. فلنجعل من هذه الآية منهاجًا لحياتنا، ولنسأل أنفسنا كل يوم: ماذا قدمنا لحياتنا الحقيقية؟

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولا تجعلنا من الذين يقولون يوم القيامة "يا ليتني قدمت لحياتي"، واختم لنا بالحسنى، وتوفنا وأنت راضٍ عنا، إنك على كل شيء قدير.



المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق