وادي الزُّمُرُّد
راعية الأحلام وأسرار ما وراء الجبال
كلمة في البدايات · تمهيد الروائي
ثمةَ وديانٌ لا تُرى إلا بالقلب.
وادي الزمرد واحدٌ من تلك الوديان التي تشرق فيها الشمس مرتين: مرةً على التلال الخضراء، ومرةً في أعين من ينتمون إليها. لم تكن إيلسا تعرف أنها تحمل في حزمة الميرمية التي تضغط بأصابعها كلَّ ذلك الثقل المعطَّر من الحكايات، ولم تكن تدري وهي تنظر إلى القمم البعيدة أن تلك القمم تنظر إليها بالمثل.
هذه الرواية مولودةٌ من دراسة نقدية أنطولوجية جريئة، أرادت أن تمزج العلم بالأسطورة، والكيمياء بالحنين، وعلم السلوك بنقاء الطفولة. ما بين سطورها ستجد الميرمية وسرّها الكيميائي، وزاجل الطائر الراوي، والوزتان اللتان تعرفان ما لا يعرفه الكبار. وستجد أيضاً تلك الأسئلة القديمة: أين تنام الشمس؟ وما الذي تخبئه الجبال خلفها؟
أدعوك إلى وادي الزمرد. اترك غبار المدينة عند العتبة.
الفصل الأول
حين يتمطى القلب مع الفجر
في تلك الساعة التي يتردد فيها الليل قبل أن يُسلِّم قيادَه للنهار، حين تكون السماء رماديةً كحلمٍ قديم لم يُكتمَل بعدُ، كانت إيلسا تستيقظ.
لم يُوقظها صوتٌ، ولا صخبٌ. أيقظها ذلك الصمتُ الحي الذي يسبق الصباح في وادي الزمرد، ذلك الصمت الذي يتنفس ويتحرك كأنه كائنٌ له روح. كانت الرطوبة تتسلل من الشقوق الدقيقة في الجدار الحجري، تحمل معها رائحة التراب المبلول وعطر الأعشاب التي نامت طوال الليل تحت ضباب الجبل.
مدّت يدها ولمست الجدار. الحجارة باردةٌ ومُتلألئة بالندى كأنها تبكي دموعَ الفرح في انتظار الشمس.
«الندى لا يكذب. حين يكثر الندى، الأرض سعيدة، والجذور تشرب وتغني تحت الثرى.»
نهضت إيلسا ببطء كأنها تخشى أن تكسر شيئاً لا مرئياً في الهواء. ارتدت ثوبها الصوفي ذا اللون البُني الداكن الذي يذكرها دائماً بلحاء شجرة البلوط العجوز عند حافة الغابة، وخرجت.
ضربها الهواء في وجهها كطفلٍ مرِح يريد أن يلعب. هواء وادي الزمرد الصباحي ليس كسائر الهواءات: هو مزيجٌ مخمور من رائحة الصنوبر والعشب المبلول ونفَس الجبل البارد الذي يهبط من القمم حاملاً معه شيئاً من البياض الثلجي البعيد.
وقفت على العتبة ونظرت. كان الوادي يتمطى.
هذا ما كانت تعتقده إيلسا منذ طفولتها المبكرة: أن الوادي كائنٌ حي يستيقظ كل صباح ويتمطى مثلها تماماً. الضباب الخفيف المتراكم فوق الساقية هو أنفاسه الدافئة. الأعشاب المنتصبة ببطء تحت الشمس الأولى هي أصابعه المستيقظة. والطيور التي تبدأ نداءاتها الواحدة تلو الأخرى كأوركسترا موسيقية كبيرة هي أصوات أحلامه وهي تطير.
«صباح الخير يا وادي»، همست، ولم تكن تمزح.
ومن ناحية الحظيرة جاء الجواب: صوت رفيع حاد ثم آخر، ثم الخبط السريع لأقدام صغيرة على الأرض.
بياض ولؤلؤ.
هرعت الوزتان نحوها بوقارٍ غريب يتناقض مع سرعتهما: عنقاهما ممتدتان للأمام، وريشهما الأبيض يلمع كأن أحداً لمّعه للتو، وأقدامهما الذهبية تقرع الأرض بنغمٍ منتظم.
توقفتا قبل إيلسا بخطوة واحدة بالضبط، كما لو أن ثمة خطاً غير مرئي يعرفانه ويحترمانه.
«أعرف، أعرف»، قالت إيلسا وهي تنحني لتمرر يدها على الرقبة الطويلة الناعمة. «سأجلب الميرمية.»
وكأن الكلمة كانت مفتاحاً سحرياً، استدارت الوزتان وعادتا تمشيان جنباً إلى جنب خلفها نحو حافة الحديقة، حارستين ملكيتين تؤديان واجبهما بجدية تامة.
ابتسمت إيلسا ابتسامةً تعرفها وحدها.
الفصل الثاني
الميرمية وسرّها المعطَّر
نبتة الميرمية لا تنمو حيث تشاء. هذا ما تعلمته إيلسا من مراقبتها سنوات.
تنمو في ذلك الخط الرفيع الفاصل بين ظل الغابة وضوء الشمس، في المكان الذي يتصارع فيه النور والعتمة ويتوصلان في النهاية إلى هدنة. كأن النبتة تختار عن قصد أن تعيش على الحدود، لتأخذ من كليهما ما يجعلها هي.
«لا تأخذي أكثر مما تحتاجين. النبتة تعطيك بسخاء، لكنها تتذكر إذا جحدتِ.»
مدّت يدها وقطعت بحذر ثلاثة أغصان، لا أكثر. ضغطت الأغصان بين راحتيها وأغمضت عينيها.
جاء العطر فورياً، حاداً ومتعدد الطبقات كأنه صوت كورال: في البداية شيءٌ أخضر نظيف كالغابة بعد المطر، ثم دفءٌ راتنجي داكن، ثم شيءٌ غريب تحت كل ذلك لا تستطيع تسميته لكنه يشعرها دائماً بأن الهواء اتسع.
كل مرة كان العطر يفعل ذلك: يفتح شيئاً داخلها. ليس الذاكرة فقط، بل شيءٌ أوسع من الذاكرة، شيء يشبه اليقظة الكاملة التي لا تعرف فيها بالضبط حين انتهى الحلم وحين بدأت الحياة.
كانت بياض ولؤلؤ تراقبانها بصبر غير معهود.
حين فتحت عينيها، وجدت الوزتين قد اقتربتا بخطوة إضافية، وعيناهما تتتبعان يديها بمتابعة انتباهية واضحة.
«أنتما تعرفان أيضاً، أليس كذلك؟» قالت إيلسا وهي تمد الأغصان نحوهما ببطء.
مدت بياض عنقها واستنشقت بعمق، وصوتٌ خافت خرج من حنجرتها، ليس صرخة بل شيءٌ أشبه بالتنهد.
«أعرفُ»، قالت إيلسا بجدية. «إنها تفتح شيئاً في الداخل.»
جلست على العشب المبلول بالندى غير آبهة بثوبها، ووضعت الأغصان الثلاثة في حجرها. جلست بياض إلى يمينها ولؤلؤ إلى يسارها، كما لو أن هذا الترتيب مكتوب في قانون لا يعرف الخطأ.
كان الصباح يتقدم ببطء. الضوء الذهبي يزحف على العشب ويحوّل كل قطرة ندى إلى جوهرة صغيرة متألقة. وفي تلك اللحظة، في تلك الدائرة الصغيرة المؤلفة من فتاةٍ وأغصان معطرة ووزتين صامتتين، كان شيءٌ ما كاملاً.
لا كلام. لا سؤال. فقط الكينونة في الوادي.
الفصل الثالث
زاجل والرسائل القادمة من وراء الجبال
سمعت صوته قبل أن تراه.
زقزقةٌ حادة منتظمة، مثل طرق مشفَّر على باب بعيد. ثم صمتٌ. ثم زقزقة ثانية أطول وأعلى.
ارتفعت إيلسا بنظرها نحو حافة السياج الخشبي العتيق، وهناك كان زاجل. الطائر الصغير ذو الصدر البرتقالي والعينين الذكيتين السوداوين، واقفاً على أعلى لوحة خشبية كأنه يؤدي خطبة.
«زاجل!»
نفضَ الطائر جناحيه نفضةً واحدة كاملة، ثم أدار رأسه ونظر إليها بتلك النظرة التي كانت تقول دائماً: كنتُ أنتظر حتى تنتبهي.
زاجل ليس طائراً عادياً في وادي الزمرد. هذا ما كانت تعرفه إيلسا وتعرفه الوزتان وتعرفه الغابة. زاجل هو الرحّالة، المسافر الذي يختفي مع اشتداد البرد الأول ليعود مع الربيع، حاملاً في زقزقاته ما لا تحمله الريح.
في كل عودة، كانت إيلسا تجلس أمامه وتنصت. لا تفهم كل ما يقوله، لكنها تفهم ما يعنيه.
«من أين أتيت هذه المرة؟» سألت وهي تتقدم خطوةً بخطوة بحذر.
زقزق زاجل ثلاث مرات سريعة ثم مرة واحدة طويلة.
«بلاد بعيدة»، ترجمت إيلسا ببطء. «جنوباً حيث الدفء.»
جلست إيلسا على ركبتيها في العشب ووضعت يدها المفتوحة أمامه. لم يتحرك فوراً. ثم، بعد لحظة طويلة من التقييم الصامت، قفز بأرجوحة خفيفة ووقف على طرف أصابعها.
وزنه كقصيدة.
«أخبرني عن بلاد السكر»، همست إيلسا. الجملة الواحدة التي كانت تقولها له في كل لقاء.
بلاد السكر. كلمةٌ اخترعتها إيلسا وهي صغيرة، حين سألت أباها ذات مرة: «إلى أين يذهب زاجل؟» فقال بسرعة وهو يحمل حزمة الحطب: «إلى بلاد السكر يا صغيرتي، حيث الدفء لا ينتهي والطعام وفير.» وبقيت الكلمة.
«هل هي أجمل منا؟» سألت، وكان في صوتها شيءٌ لا يشبه الغيرة تماماً بل أقرب للفضول الحقيقي.
نظر إليها زاجل بعينيه السوداوين طويلاً. ثم أطلق زقزقة واحدة هادئة ونظر نحو التلة الخضراء التي تطلّ على الوادي.
«لا. لا يوجد مكانٌ أجمل من وادي الزمرد.» وقالت ذلك بيقين لا يحتاج برهاناً.
الفصل الرابع
السياج الخشبي ومملكة الأحلام
كان السياج الخشبي عمره من عمر البيت، والبيت عمره من عمر الجد الكبير الذي بناه بحجارة الوادي وروافد الأرز وطين السفح.
ألواحٌ رمادية شمّستها عشرات الصيوف وبلّلتها مئات الشتاءات، ومع ذلك واقفة. بعضها متشقق بخطوط دقيقة تشبه خطوط الراحة في كفّ إنسان حكيم. وبعضها تنبت منه طحالب خضراء صغيرة أنيقة كأنها حليٌّ طبيعية لم تطلبها الخشبة لكنها قبلتها بكرم.
كانت إيلسا تعرف كل لوحة باسمها الخاص في رأسها: اللوحة المائلة قليلاً شرقاً هي «الناظرة»، واللوحة التي فيها كوةٌ صغيرة يدخل منها الضوء كخيط ذهبي هي «السرّ»، واللوحة الطويلة في نهاية السياج التي تستند إليها في أحلامها هي «المسند».
في هذا الصباح كان تفكير إيلسا أوسع من المعتاد.
«ما الذي يختبئ خلف الجبال؟»
السؤال خرج بصوت عالٍ قبل أن تقرر ذلك، وكأن الكلمات قررت وحدها أن تُقال.
أطلق الطائر سلسلة من الأصوات المتنوعة المتتالية: قصيرة وطويلة وحادة وخافتة. كأنه يحاول أن يترجم شيئاً كبيراً جداً لأصوات صغيرة جداً.
أصغت إيلسا بكل جوارحها. ثم قالت ببطء:
«هناك وادٍ آخر. وجبالٌ أعلى. وأفقٌ يبدأ من جديد... وليس وراء الجبال شيءٌ ليس هنا. هناك فقط مزيدٌ من نفس الشيء.»
ابتسمت إيلسا وأسندت رأسها على اللوحة المسند. هذه الإجابة أعجبتها أكثر من أي كنز أو أسطورة.
الفصل الخامس
أين تنام الشمس؟
السؤال نفسه. يعود دائماً.
كانت إيلسا تتابع مسار الشمس منذ أن تشرق حتى تغيب خلف القمة الغربية التي سمّتها قمة «الوداع». وكل مساء، بينما يتحول الأفق من الذهبي إلى البرتقالي إلى الأحمر الداكن ثم إلى الرمادي البنفسجي العميق، كانت تحدق وتفكر: إلى أين ذهبت؟
جدتها كانت تقول: «الشمس تذهب لتصلي.» وكانت إيلسا تتخيل الشمس الكبيرة المضيئة واضعةً جبهتها على شيء لا يراه أحد، ساجدةً في الظلام، ومن طول السجود ترتاح وتستعد للعودة.
أبوها كان يقول: «الشمس تذهب إلى أرض أخرى يا إيلسا، تنيرها كما أنارتنا.» وكانت تتخيل أطفالاً في أرض بعيدة يستيقظون الآن ويرون شمسها تشرق عليهم، وربما يتساءلون هم أيضاً: من أين جاءت؟
أما هي، فكان لديها تفسيرها الخاص.
«أعتقد أن الشمس تذهب لترى أحلام من ناموا. تذهب إلى الجانب الآخر من العالم كي تضيء الأحلام، لأن الأحلام بدون ضوء لا ترى شيئاً.»
«في النهار تضيء الحياة الحقيقية. في الليل تذهب لتضيء الحياة الثانية، حياة الأحلام. ولذلك الأحلام أحياناً مضيئة وملوّنة جداً. لأنها تحت ضوء الشمس الحقيقي.»
رفعت إيلسا وجهها نحو الشمس وأغمضت عينيها. خلف جفنيها كان الأحمر يتذبذب ويتحول إلى ذهبي. كأن ما وراء الجلد والعظم عالمٌ آخر كامل، لا يحتاج سوى أن تُغمض الأبواب على ما في الخارج لترى ما في الداخل.
«سنذهب غداً إلى النهر»، قالت بصوت قاطع مفاجئ. «سننظر أين تختبئ الشمس حين تغيب خلف الماء.»
في تلك اللحظة نادت الأم من عند الباب: «إي
